الثلاثاء، 5 نوفمبر، 2013

تأوهات نوفمبرية




ملحمة نوفمبر مثقلة باستحقاقاتها البطولية و الحضارية فهل من متسول يجني و يفتخر و يفاخر بها الملاحم الأخرى؟ !
أليس من بين المتسولين حضاريا، و المعتوهين ثقافيا، و اللقطاء تاريخيا من يقطف ثمار هذه الملحمة، ويريحها من أعباء هذه الاستحقاقات، ويريح نفسه من أمراض التبعية التي شوهته؟ !
ملحمة نوفمبر رزاجة تحت ملحمة الملاحم البطولية قل مثيلها في التاريخ الحديث و المعاصر، فهل من جبان و مهلوس من يملأ قلبه و يخفف من حملها؟ !
ملحمة نوفمبر طافحة من نشوة الانتصارات فهل من ظامئ يسكب و يرتوي؟ !
إن العزة التي منحتها ملحمة نوفمبر للأمة الجزائرية عزة أخرى، لا تستطيع " فرنسا التاريخية ؟ !" بل ولا يستطيع العالم كله أن ينال منها منالا ... إنها عزة لا ينال منها سوى المرتدون حضاريا، و المتساقطون في طريق الملحمة ، أو المهرولون لنيل رضا فرنسا التاريخية؟َ !
أو الهاربون من المسؤوليات التاريخية الثقيلة.
إن الخيانة التاريخية منقطعة ... و المصير إلى البيان النوفمبري خالد إلى يوم الدين، فويل للمرتدين حضاريا، وويل للمطبعين مع فرنسا التاريخية؟ !
لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بملحمة نوفمبر، ومن يبتغ العزة في غيرها أذله الله، وعليه لعنة التاريخ إلى يوم الدين.
ها هي أمة الملحمة النوفمبرية تضلل حضاريا و تقهر فكريا، وتمنع من هويتها ويحال بينها وبين بيانها الذي خط بدماء الشهداء: [ إعادة بناء الدولة الجزائرية ... ضمن المبادئ الإسلامية ] ويخترع لها بيان فرنكفوني متوسطي متصهين، وتدبج لها هويات، ويتسول لها ثقافات، ويخترع لها سدنه وآلهة، ولهذا تاهت و تمزقت و اختنقت، وشب في قلب استحقاقاتها التاريخية  الحضارية حريق، فوقعت على قارعة الطريق تبسط نحو العابرين يدا مفعمة بالانتصارات وتناديهم قائلة: ألا فارحموني وخذوا مني هذه الانتصارات. اشفقوا علي وخذوا جميع ثرواتي، أما السائرون فلا يلتفتون؟ !
- نوفمبر ذاكرة تاريخية وملحمة حضارية:

من الحقائق المتعارف عليها: أن التاريخ بقسميه العام و الخاص: هو نتاج عقول أجيال متعاقبة ومتكاملة، وخلاصة بطولات ملحمية لأبناء الأمة الواحدة عبر مراحل تاريخية تزدهر حينا، وتنحدر حينا آخر، توضع تحت تصرف جيل في خدمة حاضر الأمة وبناء مستقبلها، فهو من هذه الناحية: - اجتماع العقول في عقل، و اختصار للأعمار في عمر، و استحضار للزمن بقرونة المتطاولة في عصر.
لهذا ما لم تكن الأمة، لسبب أو لآخر مصابة بفقدان المناعة التاريخية مما يجعلها تقرأ تاريخها قراءة مغلوطة، ولا تستطيع أن تهضم ملامحها، و تفسرها تفسيرا بعيدا عن الحقائق التي صنعت تاريخ الأمة، فيزيد ذلك في ضلالها و إذلالها، وبذلك تعيش الأمة تائهة مترنحة كالشجرة التي اجتثت جذورها : [ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء] [الأنعام:44]

وإيمانا من شرفاء الأمة و مؤرخيها النزهاء أن ثورة نوفمبر ستبقى على مرّ العصور و الدهور المثل الأعلى في التضحية و الجهاد في سبيل حماية هذا الوطن ـ الأمة من أطماع الغزاة الصلبين و تواطؤ الوجوه المستعارة.
وللتذكير و التذكر و الذكرى تنفع ما تبقى من النوفمبريين الشرفاء فإن ثورة نوفمبر في أبعادها التاريخية تحمل معان كثيرة من أهمها:
فهي تذكرنا كيف كانت الجزائر " الدولة الأمة" قوية عظيمة ذات سيادة أرضية و حضارية تبسط نفوذها وهيمنتها على البحر الأبيض المتوسط طيلة ثلاثة قرون ونصف من 1525 – 1830.
كما تذكرنا بما تعرضت له مآسي في مطلع القرن 19م حيث استطاعت الدوائر الاستدمارية المتربصة بها بالتعامل و التعاون مع العملاء و الخونة و عناصر من [ اليهود] أن تزعزع كيان الدولة  ـ الأمة ـ وتفتت قواها الداخلية و تضعفها عن طريق التغلغل في أجهزتها و إفسادها.
و الوصول في النهاية إلى فرض وضع معين على البلاد يتمثل في زعزعة الأمن و الاستقرار وتغذية الفتن قصد تفتيت شبكة العلاقات الاجتماعية في الأمة الوحدة حتى يسهل الاستيلاء.
وبذلك تمت تهيئة الجزائر الدولة الأمة لوضع جديد هو الاستدمار الفرنسي و زوال الدولة الجزائرية، حيث اغتصبت الأرض، و انتهكت الحرمات، واستبعد الشعب وشرد وقتل و نفي.

واضطهدت اللغة العربية، و اعتدى على الدين الإسلامي، و المقدسات، وحولت المساجد إلى كنائس وإسطبلات لخيول الفرنسيين، وفقدت الأمة الجزائرية في ظل هذا الاستدمار كل ما تملك و لم يبق لديها سوى إيمانها بربها وحبها لوطنها.
ولأنه كان استدمارا صليبيا حاقدا تدفعه روح الثأر و الانتقام من الأمة الجزائرية و دولتها التي كانت لا تقهر فكان هدفه محو مقومات الشخصية و الخصائص الحضارية للأمة الجزائرية وذلك قصد تمسيحها وتنصيرها ثم ابتلاعها نهائيا.

لأن احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830 جاء تنفيذا لخطة مرسومة تقتضي إعادة شمال إفريقيا لاتينيا كما كانت قبل الإسلام و بروح صليبية حاقدة، وهذه ما يؤكده " جان بوجولا " بصريح العبارة: [إن احتلال الجزائر كان استمرار للحروب الصليبية] وتؤكد جل النصوص التي كتبها الفرنسيون والتي تعكس الروح الصليبية الحاقدة، وتصرفاتهم توحي بذلك،  كالإستيلاء على المساجد وتهديمها، وتحويلها إلى كنائس، وإقامة القداسات، وصلوات الشكر، و الحفر على بقايا المسيحية منذ عهد الرومان، واسترجاع السيطرة المسيحية ، و الذين يفهمون هذه المؤشرات التاريخية، يمكن أن يعرفوا ان الجزائر في ظل سياسات ما بعد الإرهاب المفروض علينا جميعا من دوائر حاقدة علينا، تعيش نفس الملابسات، وأن الصيرورة التاريخية للمشروع الاستدماري الصليبي الذي كان يهدف إلى تخريب الهوية الوطنية قصد الإبادة الحضارية، ما زال مستمرا في نتاج صيرورة تاريخية تتولد عنها تجديد المخططات، وتضمن استمرار هذا المشروع.

فقد كانت زيارة شيراك في مطلع الألفية الثالثة، بمثابة استحلال ناعم للجزائر، وما استقبال الجماهير له في باب الواد، و الأعلام الفرنسية التي كانت ترفرف على كل الشرفات، بينما كانت أعلامنا منكسة تعبر عن غضب الشهداء في هذه الزيارة المخزية و المؤلمة، حيث تناغمت أصوات الجماهير المغلوبة على أمرها، مع هيمنة شخصية الرئيس الفرنسي، الذي جاء ليؤكد أن الجزائر مازالت فرنسية و أن الأصوات التي هتفت بحياته تعبر تعبيرا صادقا على أن فرنسا مازالت في قلوب الوجوه المستعارة، المعلبة إلينا من مخابر أجنحة المكر العالمي المتصهينة.

وإذا رجعنا إلى توزيع الهدايا، التي كان فيها شيراك يحتكم إلى الدلالات التاريخية، المؤذية لنا ولتاريخينا ، حيث قدم خاتم الداي حسين إلى (فخامته) هذا إن دل شيء إنما يدل على أن الدولة الجزائرية ستهترئ بالفساد، و إشاعة الفاحشة الحضارية، وستتولى فرنسا شؤونها، لكن هذه المرة ستدرس الخطة في (مصحة المشلولين في باريس). وإن دل ذلك فإنما يدل على أن جيل ما بعد الإرهاب وضع أصابعه العشرة في شقوق الفجوة بين الشعارات و الوقائع، فسقط البريق عن (جزائر العزة و الكرامة ؟ !) في أوحال الذل و المهانة، وسقط البريق عن استرجاع سمعت الجزائر الدولية في أمواج المتوسطية المتصهينة، وسقط بريق استرجاع هيبة (الدولة) في أوحال الثراء الفاحش و التوحش المجنون في صنع الثروات الخيالية وبذلك استبدل (أمراء الموت بأمراء الفساد) وكلاهما متمم للآخر ويقومون بنفس المهمة لإخراج الجزائر من الدائرة الحضارية و التاريخية.

وكانت الازدواجية الخطابية هي الثغرة الواسعة التي سقط منها الإيمان (بالشعارات المعلنة).(والمثل العليا الشائعة ) وإذا شئنا متابعة التغييرات الطارئة على المخيلة الجزائرية خلال أكثر من عقد من الزمن هي متوسط أعمار شباب جيل المحنة الدموية، فإن شعار ( كسر الطابوهات) هي نقطة البداية أو تاريخ الميلاد لهذه الموجة المجنونة من الأحداث و الأفكار و الوقائع التي فاجأت الجيل و هو يفتح عينه لأول مرة و هو يحبو على الدماء التي أسالها الأعراب و الأغراب، وراء جحيم من النيران تلتهم الجزائر تحت رايات متعددة الألوان، و مزورة ولم يفسر له أحد أنها مزورة، ورأى  حربا تشن على لسانه و ثوابته تحت رايات متوسطة زائفة، ولم يفسر له أحد كيف أنها زائفة. ثم رأى غزوا غير مسلح من ( التنصير و التطبيع، ثم حربا على منظومته التربوية تصطف فيه ( كل أجنحة المكر المتعددة الجنسيات و الأديان) تحت رايات مختلفة الألوان. ولا أحد يفسر ما تخفيه الرايات و ما تحجبه الألوان.

وهكذا وجد الجيل الجديد نفسه في ظل سياسات ما بعد المحنة الدموية في العراء المطلق، بين المجازر الوحشية التي ارتكبها (الأعراب، و الأغراب ). وجحيم الفساد المبرمج الذي جاء كسياسة لجعل من الشعب الجزائري ( حيوانات برؤوس بشر)، و الفراغ الفكري المخيف الذي أحدثه كسر الطابوهات، وحربا على استحقاقات الأمة و تشويهها في الداخل بأوامر من الخارج. و الإرباكات التي أحدثتها التغييرات الأخيرة في مؤسسة سيادية حافظت على وحدة الجزائر في المحنة الدموية، ودفعت النفس و النفيس من أجل أن تبقى الجزائر واقفة بعيدة عن أيادي أجنحة المكر، التي أرادت أن تتسلل في المحنة وتؤجج نار الفتنة ، لكن هذه الأجنحة باءت مكائدها بالفشل الذريع، لكن أحقادها بقيت راسخة فانتقمت من هذه المؤسسة التي أرادت أن تحارب الفساد كما حاربت الإرهاب.

والذين يدعون  أنهم نوفمبريون، ثم لا يتصدون إلى هذه الملابسات التاريخية سيجدون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، وينطبق عليهم قول النبي ص : " من أعان ظالما سلطه الله عليه ". والذين يفهمون دلالة هذا الحديث ولا يصرخون في وجه هذا الظالم المرتد حضاريا والممسوخ تاريخيا، صراخا، ويقاومونه مقاومة واعية، هم مرتدون كل الردة.وسيدفعون الثمن غاليا من الناحية التاريخية.
- لعنة نوفمبر :
الدنيا خريف وغيوم الحقد و الطغيان تهتز طربا في سماء نوفمبر وليس هناك من يبدد هذه الغيوم إلا مناجاة أرواح الشهداء الميامين، ولم يبق لأمة نوفمبر إلا الصلاة ولم يبق لها من الكلام إلا اللعنة على الانتقام الطغياني و المتخاذلين معه من الطبالين بالأصل و الممارسة.
يا شهداء الملحمة، إذا كنتم أحياء عند ربكم فكونوا طيرا أبابيل ترمي الطغيان و تجعله كعصف مأكول، أو كونوا سيلا جارفا تجرف الطبالين و المزمرين ، وإن لم تكونوا كذلك ولم تلبوا لنا هذه الدعوة فإننا سنترك الطغيان و المطبلين لعذاب الضمير و لعذاب السماء التي بخلت علينا بالماء، سنتركهم للعنة النوفمبرية الأبدية السرمدية الخالدة. إنها لعنة تصيب المطبل و المطبلين وتصيب العقل و الجسد، وتحرق النسب إن كان هناك نسب و تحرق ما تبقى من البلد.
لقد تأوهت النوفمبرية، وبكت و استجارت فسمعت السماء دعوتها، وبدأت ضربات السماء تنهمر فوق رؤوس الوجوه المستعارة، لكنهم لا يدركون ذلك، لأن النوفمبرية مسختهم قردة خاسئين. ومع الوقت و الخطوات و الضربات سيدرك هؤلاء أن للنوفمبرية لعنة وصوت أقوى من صوت المتوسطية المتصهينة.   لأن نوفمبر ارث حضاري عريق و ملحمة أمة لا تحب الذل و الهوان وبيان ثابت مشترك بين جميع أبنائها بكل أطيافهم فهو تماسك و تعاضد، فمن فصم البيان بعد توثيقه فهو جزائري من غير ثورة ومسلم بلا إسلام وعربي من غير شرف، وأمازيغي بلا إباء.
هذا نوفمبر اركع و مجد الاستعمار و أذكر ذُلك و السنين ...؟ !
ألف عذر يا مفدي فقد أصبحنا أذلاء لأنا عزتنا كانت في نوفمبر فابتغينا غيرها فأذلنا نوفمبر
ولملحمة نوفمبر العزة و الاستمرار،  و للوجه المستعار الذل و العار.                              
حميد لعدايسية  جامعي و باحث

2 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))