الأربعاء، 4 مارس 2015

نجاحٌ في مالي وإخفاق في عين صالح


في الوقت الذي كانت العاصمة تحتضن مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على ما سمي بـ"اتفاق سلام ومصالحة" بين الفرقاء المتناحرين في الجارة مالي، كلل جهود الجزائر الدبلوماسية لحل الأزمة بالطرق السلمية، كانت عين صالح تحتضن واحدا من أخطر الصدامات بين الأهالي والشرطة في المنطقة منذ الاستقلال.

وزارة الشؤون الخارجية وعدد من الأجهزة الأمنية اشتغلت بعيدا عن الأضواء لشهور، بقدر عال من الإصرار والصبر داخل مالي، ومع دول الجوار وبعض الدول العظمى المعنية بالأزمة المالية، لتكلل جهودها بالتوصل إلى اتفاق مبدئي، مهّد الطريق أمام التوصل إلى تسوية شاملة ودائمة لنزاع مركّب ومعقد، متوارث منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، ازداد تعقيدا بعد التدخل العسكري الفرنسي ذي الطابع الاستعماري.

غير أن مؤسسات الدولة مجتمعة، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، أخفقت في تطويق أزمة محلية محدودة، ما كان لها أصلا أن تنشأ في منطقة مسالمة بالفطرة، أهلها ليس لهم تاريخ يُذكر في مشاغبة الدولة، رغم حال الحرمان والإقصاء الفاضح من ريع يصخ من تحت أقدامهم، وانشغال الدولة عن مشاكلهم بمداهنة وإرضاء بعض  "المشاغبين" المحترفين من أهل الشمال.

وبالقدر الذي يفترض أن نثمّن ونحيّي نجاح الخارجية والأجهزة الأمنية في تذليل العقبات، وإقناع الفرقاء الماليين المتحاربين بالتعويل على الحوار كخيار وحيد لتفكيك الأزمة المالية، يُفترض أن نشجّب عجز الدولة وفشلها في إقناع نفسها ومؤسساتها بأن الخيار الوحيد الآمن لتفكيك بؤر الأزمات التي تفجّر هنا وهنالك في ولايات الجنوب، هو الحوار مع المواطنين، والتعامل معهم بنفس الإصرار والصبر الذي تعاملت به وزارة الخارجية مع فرقاء ماليين هم في حربٍ متواصلة منذ ستة عقود.

في الحالة التي تعنينا في عين صالح، ومع ظهور مخاوف محلية مشروعة من تبعات استغلال الغاز الصخري على نطاق واسع وغير مدروس، وآثاره  المتوقعة على الثروة المائية التي تهمّ المواطن في الجنوب، كان يُفترض أن تسارع الحكومة إلى تأمين مشروعها بقدر من الشفافية والصدق، سواء من جهة إطلاع المواطنين على حجم أنشطة التنقيب التي تتوقع حفر أكثر من 12 ألف بئر، أو من جهة الاستهلاك المفرَط للمياه، أو من جهة الأخطار البيئية التي لا ينكرها حتى الخبراء الذين وُظّفوا للدفاع عن المشروع.



لأجل ذلك يُفترض بجميع المواطنين في الجنوب والشمال التضامن مع المحتجين في عين صالح، حتى من لا يشاركهم تصديق المخاوف من تبعات استغلال الغاز الصخري، لأن الأصل في الاحتجاج هو الرفض المشروع  لسلوك متأصّل في دولة اعتادت احتقار مواطنيها، لا ترى فيهم شركاء في صناعة القرار، سواء عبر المؤسسات التمثيلية المدجّنة، أو عبر مؤسسات المجتمع المدني المستضعَفة، أو عبر نخبهم وأعيانهم المهمّشين.
حبيب راشدين04 مارس 2015 الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))