الاثنين، 18 مايو، 2015

هل يجب انقاذ النظام السياسي مرة أخرى؟


يعيش النظام السياسي الجزائري هذه الأيام دورة أخرى ضمن الأزمات الدائرية التي يتميز بها منذ تشكله مباشرة بعد الاستقلال. ومظاهر الأزمة الحالية عديدة منها ترهل مؤسسات الدولة وصراعات المحاور، وانفضاح ملفات الفساد وتورط شخصيات مهمة قريبة للرئيس، وتدهور الأوضاع على كل حدود الجزائر، وتطور أداء المعارضة السياسية من حيث الجدية والثبات والتوحد ووضوح الرؤية والاستمرار الذي يقابله تفكك وتشتت أحزاب الموالاة وفشلها في توفير الغطاء السياسي لنظام الحكم، وأهم من ذلك كله الفشل الواضح في تحقيق حلم التنمية وبروز مخاطر انهيارات اقتصادية واجتماعية قادمة.
لقد أصبح واضحا بأن النظام السياسي بات يدرك جيدا بأنه يمر بمحنة كبيرة وأن ما ينتظره أكبر، ويظهر ذلك جليا من خلال حالات الإرباك والتناقض والتردد في إدارته لمختلف الملفات، ومن خلال نرفزته المتصاعدة تجاه تكتلات وتحركات المعارضة وما يتبع ذلك من إجراءات التضييق في مجال الحريات. وفي إدارته لهذا الوضع ينتهج النظام السياسي نفس الأساليب القديمة: يدير صراعاته الداخلية بالتغييرات الحكومية الظرفية، وبتحريك الملفات ودوائر النفوذ والتأثير في موازين القوة في داخله للوصول إلى التفاهمات والتوافقات ما أمكن أو كسر العظام وفرض الجهة الغالبة للأمر الواقع، وفي نفس الوقت يدير المجتمع الجزائري بشراء الولاءات والتأثير في الأحزاب والمنظمات وبناء التحالفات لتوفير مشهدية سياسية تسويقية للداخل والخارج. وأثناء ذلك كله ينتج خطابا " وطنيا" لحشد الجماهير البسطاء، واستغفال وإحراج السذج من النخب أو توفير غطاء أخلاقي كاذب للانتهازيين منهم.
لقد أفلح النظام السياسي في مرات عديدة في الخروج من أزماته بسبب تضحيات كبيرة قدمها الجزائريون ضمن ظروف متكررة ارتبط فيها مصير النظام السياسي ذاته بمصير الدولة والوطن. غير أنه يبدو أن هذا النظام أضحى يجد صعوبة كبيرة في تحقيق نفس النتائج على هذا المضمار، ويعود ذلك لأسباب كثيرة منها أنه استنفذ فرصه أمام مجتمع صار أكثر وعيا، وشباب أكثر اطلاعا، وأحزاب أكثر تجربة تقودها طلائع جديدة أكثر تكوينا وأجرأ وأكثر إصرارا على التغيير وأقدر على بناء التحالفات، ومن تلك الأسباب تعمُّق الصراعات الداخلية للنظام السياسي التي من نتائجها تراجع فاعلية المؤسسات الأمنية الاستخبارية التي كانت هي من يدير تلك الاستراتيجيات.
غير أن المتغير الرئيسي الذي صعّب على النظام السياسي النجاح في مخططاته المعهودة للخروج من أزماته يتمثل في كونه لم يقدر هذه المرة أن يربط مصير الوطن والدولة بمصيره في أذهان الجزائريين، بل أصبح هو من يمثل الخطر الحقيقي على البلد لدى كثير من الجزائريين، مما أفقد مساعيه الأخيرةما يحتاجه من أبعاد قيمية وأخلاقية.
إن الفكرة الأساسية التي يعرضها هذا المقال تدور حول هذا المتغيرالأساسي وسيكون ذلك من خلال مراجعة سلسلة الأزمات التي استطاع أن يخرج منها منذ وجوده إلى أن حدث هذا المتغير وذلك وفق ما يلي:
منذ أن تشكل النظام السياسي على إثر الانقلاب الذي قام به هواري بومدين رحمه الله على شرعية الحكومة المؤقتة غداة الاستقلال بتحالفه مع أحمد بن بلة رحمه الله وهو يتعرض لأزمات كبيرة توشك أن تقع به في كل مرة، غير أنه في كل مرة من هذه المرات تحدث تحولات كبيرة تربط مصيره بمصير الوطن كله كما ذكرنا أعلاه فيُقدِّم خصومُه تنازلاتٍ كبيرةً لصالح الوطن يستفيد منها ويستغلها للاستمرار في سياسته التسلطية دون أن يستفيد من التجربة ودون أن يثمّن التضحيات التي قدمها غيره لصالحه من أجل سلامة الوطن واستقراره.
حينما زحفت عساكر الحدود على أرض الوطن لمواجهة جنود الولايات التاريخية المثخنة بجراح المواجهة الطويلة والشاقة مع جيوش الاستعمار الفرنسي في صائفة 1962 كادت الجزائر أن تدخل في حرب أهلية تضيع فيها نعمة الاستقلال وقد يقّسم الوطن على إثرها إلى دويلات، فيفعل الأشقاء في أنفسهم ما لم يقدر الاستعمار فعله. غير أن الله سخر للوطن شعبا واعيا، صقلته الثقافة الوطنية التي شكلتها الحركة الوطنية، وصهرها الجهاد المقدس في الحرب النوفمبرية، فخرج للشوارع يقف بين المتقاتلين يقول " سبع سنين بركات"، ثم تحركت نخوة زعماء الشرعية على رأسهم رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة رحمه الله فانسحب من النزاع وسلّم لسياسة الأمر الواقع التي يحميها السلاح.
وكان من آثار ذلك الصراع بين الأشقاء بروز حركة معارضة للأمر الواقع تحصنت في الجبال وحملت السلاح سنة 1963 بقيادة الزعيمين العقيد أولحاج وآيت احمد وكادت الجزائر أن تدخل في مواجهة مسلحة طويلة المدى ستتلقف فرصتَها القوى الاستعمارية وتكون النتيجة حتما تقسيم الوطن. غير أن وطنية المعارضين أوقفتهم عن السير في هذا المسار الخطر حينما هُدد الوطن باعتداء الأشقاء المغاربة على حدودنا الغربية. لقد قرر عندئذ خصوم النظام السياسي توقيف الاقتتال الداخلي والتوجه رأسا إلى الجبهة الغربية والتخندق في صف واحد مع الجيش الوطني الشعبي الذي أصبح بهذا الموقف سليل جيش التحرير الوطني في كليته حقا.
قصص كثيرة من هذا النوعوقعت في الجزائر استفاد منها النظام السياسي، منها تسليم كثير من زعماء الحركة الوطنية وأبطال الحرب التحريرية للأمر الواقع خوفا على الوطن وبسبب التعب الشديد مع سنوات الجهاد الطويلة أو جراء الملل من كثرة الصراعات التي تُذهب بهجة الاستقلال وتُفسد على الناس حياتهم. وفي كل هذه الأحوال كان النظام السياسي هو المستفيد من هذه المواقف الوطنية، وفي كل مرة يُبتلى الوطن بمسؤولين جدد يرثون نزعة التسلط ولا يفكر أحد منهم في الاستفادة من الأخطاء وبناء بلد ديمقراطي يصنعه الإبداع الذي تنشئه الحرية والتنافس النزيه والعادل والقانوني على صناعة الحياة.
قد يخالفني الكثير، ولكنني أقول مقتنعا بأن الشخص الوحيد الذي وجد الحل لمعضلة الجزائر حيث أراد أن يسلم الجزائر لإرادة الجزائريين عبر انتقال ديمقراطي يقوم على أساس صناديق الاقتراع والاختيار الحر للمواطنين هو الشادلي بن جديد. لقد عجز الشادلي كغيره من رؤساء الجزائر إلى اليوم في تحقيق التطور والازدهار، وضيّع هو الآخر فرصة ثمينة لتحقيق تنمية اقتصادية خارج المحروقات حينما ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في ذلك الوقت في بداية الثمانينيات، وكانت نتيجة ذلك الإخفاق انهيار الاقتصاد الجزائري مع انهيار أسعار البترول والغاز سنة 1986 فأدى ذلك إلى تململ شعبي أوصلنا إلى انتفاضة 5 أكتوبر 1988. قال كثير من الناس ـ مستهزئين ـ بأن الجزائريين خرجوافي 5 أكتوبر طلبا للخبز فأعطاهم الشادلي الديمقراطية! وحقيقة الأمر أن ذلك هو القرار الصائب وتلك هي الاستراتيجية الحكيمة، ذلك أنه لا يصح أن يُكرِّر نفسُ النظام الفشلَ في شعبه مدى الحياة. على أي نظام أن يسلم الأمانة لأهلها حين يفشل.. وأهلها هو الشعب! ليس الشادلي هو من فشل، وخطته لم تكن فاشلة، ولكن الذين لم يعرفوا استغلال الفرصة لإصلاح الوطن من مختلف الأطراف هم المسؤولون عن الفشل، وكان إلغاء الانتخابات هو أعظم هذه الأخطاء، وتحضرني هنا كلمة قالها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله لبعض الشباب: " لا تجعلوا الشادلي بن جديد يندم على الديمقراطية". ويبقى موقف الشادلي بانسحابه من المشهد خطوة سياسية استفاد منها النظام السياسي مرة أخرى، هذا النظام الذي أظهر في هذه المناسبة بأنه لم يكن شخصا ولكنه كان ثقافة ومنظومة تتغير فيها الوجوه وتبقى الذهنيات والأساليب ذاتها. لقد استطاع النظام السياسي بعد استقالة الشادلي بن جديد أن يعيد إنتاج نفسه تحت ظل محاربة الإرهاب، وأصبح التطرف الذي شاع في البلد هو اكسير الحياة بالنسبة إليه حيث أعطاه شرعية جديدة، وبدل أن يجعل من المصالحة الوطنية فرصة جديدة للإقلاع الوطني استعملها كشعار سياسي احتكره وحده للبقاء في السلطة، وغدر بكل من أسس لفكرة المصالحة وسعى لها بصدق وتجرد.
عمّق إلغاء الانتخابات التشريعية لسنة 1991 الأزمة وجذرها ووسعها، فانطلقت محاولات عديدة لحلها ففشلت، وكان من الذين حاولوا الشيخ محفوظ ومن معه.بعد قرابة ثلاث سنوات من محاولات التوفيق، منها التي شارك فيها ومنها التي أطلقها بنفسه،اقتنع الشيخ نحناح بأنه لا حل لحفظ البلد إلا بتشجيع إعادة بناء مؤسسات الدولة بناء شرعيا يقوم على أساس الإرادة الشعبية. شاركت حركة مجتمع السلم في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995 برئيسها، وحقق هذا الأخير مفاجأة لم يكن يدري بها النظام السياسي ولا المعارضة المتشددة، ظهرت ملامحها في ضخامة التجمعات قبل نتيجة الانتخابات، وحينما أجريت الانتخابات زُورت باستعمال السلاح الرسمي، ثم دخلت الحركة في مسيرة انتخابية طويلة كانت كلها مزورة، وشاركت في حكومات عديدة طمعت من خلالها أن تطبع وجودها مع نظام سياسي متسلط قد تقنعه النوايا الطيبة المشفوعة بالسلوك الملتزم فيخرج من عقليته الأحادية.... ولكنه لم يفعل البتة! لم يكن في تلك المرحلة ممكنا أن ترفع حركة مجتمع السلم صوتها لأن النظام السياسي كان منصهرا في الوطن مرة أخرى. لقد كان وقف سيل الدماء وتحقيق الاستقرار هو الأولية في تلك المرحلة، كما كانت مهمة إنقاذ الفكرة الإسلامية من التشويه، والتيار الإسلامي من الاستئصال، هي المهمة المقدمة على غيرها من مهام الحركة، فكان مقتضى تلك الأولية ومُتطلب هذه المهمة التغاضي عن مكر النظام السياسي والصبر على دسائسه حتى يرشد أو يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو أن يصبح فصل الوطن عن النظام السياسي ممكنا، كلبن سائغ من بين فرث ودم خالصا سائغا للشاربين.
إن من أعظم المكاسب التي حققتها حركة مجتمع السلم بصبرها الطويل، ومعها المعارضة السياسية كلها، أنها وصلت إلى هذه المرحلة السياسية الواضحة غير المعقدة التيلم يصبح فيها الوطن منصهرا في النظام السياسي، والتي أصبح فيها النضال السياسي للتضييق على النظام السياسي القائمهو ذاته فسحة للوطن. إن الواجب الوطني اليوم أصبح هو معارضة النظام السياسي والتشديد عليه بأقصى ما يمكن من الأساليب السياسية السلمية ليقبل التعاون مع المعارضة من أجل إيقاف الانهيار الذي نراه كل اليوم، ذلك الانهيار الذي أصبحت عناوينه بارزه لا يختلف عليها إثنان، هي الفساد وترهل المؤسسات واهتزاز السيادة والفشل الاقتصادي المروع الذي يوشك أن يعيدنا لسنة 1986 فأحداث شبيهة لأحداث 5 أكتوبر تكون آثارها أخطر وأجل وأعظم مما حدث في الثمانينيات وما بعدها.
أما وقد فُصل الوطن عن النظام السياسي، خلافا لما كان عليه عبر تلك المراحل التي وصفتها أعلاه، أما وقد صار النظام السياسي هو الخطر الوحيد على البلد، فإن إنقاذه اليوم هو خيانة عظمى في حق الوطن، ومن يفكر في ذلك إنما يفكر في نفسه وفي مصالحه، ومن ضيع هذه الفرصة قد يرجعنا إلى حالة انصهار الوطن بالنظام السياسي فيستحيل التغيير مرة أخرى وربما إلى الأبد. إن هذا الحديث أوجهه إلى كل جزائري وطني بقي فيه شيء من رائحة نوفمبر في أي موقع كان، إن الواجب الوطني اليوم هو التضييق الشديد على النظام السياسي حتى يقبل الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه، الانتقال الديمقراطي الذي يذهب إليه الجزائريون هذه المرة متسلحين بتجربتهم من محاولة الانتقال الفاشلة في التسعينيات وما تبعها من مأساة، ومستفيدين من تجارب الربيع العربي الدموية، ليكون انتقالنا سلسا آمنا نحو مرحلة جديدة تكون الكلمة فيها للشعب، دون وصاية ولا تزوير، يكون فيها التوافق في البداية هو ضابطه، و يكون بعد ذلك التداول والتنافس النزيه هو ضمان الإبداع والتطور والازدهار.
لا شك أن الكثير مثلي يعتقدون بأن النظام السياسي لن يقبل انتقالا يكون فيه طرفا وليس قائدا، فذلك هو ديدنه وذلك هو الأمر الأكثر احتمالا إن لم يكن الضغط عليه كافيا، وفي هذه الحالة سيؤدي بنا جميعا، وفق ما تبينه أكثر الدراسات، إلى أوضاع مأساوية لا قدر الله. وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة لن يبقى من القيم التي تنقذ الوطن سوى "المصداقية"، مصداقية الأحزاب التي تكون فاعلة يومئذ والتي يكون على عاتقها قيادة الجماهير بما يجعل جبر الانكسارات بأقل الأثمان. غير أن الذي يجب الانتباه إليه أن المصداقية تُصنع اليوم قبل الغد، برفض الأمر الواقع رفضا بينا، وبمعارضة النظام السياسي القائم معارضة واضحة، لا لبس فيها ولا تردد، وبعمل سياسي مشترك يتطور اليوم، ويبلغ تمامه غدا،فيسهل التوافق بين مفردات الطبقة السياسية لاحتضان الوطن في يوم الشدة أمام نظام سياسي لن تكون له اليد الطولى يوم ذاك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))