السبت، 14 مايو 2016

اختلاط الذكريات في الجزائر




كنا نحتفل في الجزائر ونحن تلاميذ صغار،  في المداس الابتدائية، وفي المتوسطات... أيام أن كان رئيس الجزائر الوحيد هو: هواري بومدين رحمه الله...فهو من يحكم وهو من يقرّر وهو من يدشن وهو من يمضي... ونقطة.

كان أغلبية من عرفنا في المنطقة يتحدثون عن خطاب الرئيس قبل أن يُذاع...ومع أننا كنا بلا تلفاز  ولا كهرباء...كان آباؤنا يشترون بطاريات لاستعمالها في المذياع وتتبع ذبذبات مفردات الرئيس التي كانت تقرع الأسماع...ولا تنمحي آثار خطاباته بمجرد الانتهاء منها، بل يتبعها التجسيد في الميدان...وأحيانا تكون بعض الخطابات ترجمة لعمل أنجز...

فكنا ونحن صغارا مع أننا لا نفقه في السياسة شيئا، نتفاعل على أرض الواقع، مع المهرجانات والتظاهرات المختلفة... وكنا نتذوق طعم النصر ونرتشف حلاوة العزّ مع أن أغلبنا كان سرواله مثقوبا ويداه تحملان آثار الصقيع...

كان نوفمبر نوفمبرا ، و جويلية جويلية، و ديسمبر ديسمبرا، و أوت أوتا ...وكان الرئيس رئيسا والمدير مديرا والأستاذ أستاذا... وكان رمضان رمضانا والعيد عيدا...والحج حجا...وكان العرس عرسا، والجنازة جنازة... وكان الربيع ربيعا والصيف صيفا...وكانت المرأة مرأة والرجل رجلا...وكانت العنزة عنزةً والتيسُ تيسَا...

بعد الفتنة العمياء التي ضرب المجتمع الجزائري بأسره... واستهدفت الأسرة، والمدرسة، والتاريخ، والفلاحة، والصحة، والرياضة، والسياحة، والأمن، واستهدف الوطن باختصار...لم يعد العيد عيدا ولا المناسبة مناسبة...

لقد فعلت الفتنة العمياء بشعبنا مالم تفعله فرنسا...وهذه حقيقة يعاينها الجزائريون قبل غيرهم...وحتى لا يكون كلامي مجرد فرقعة أو مجاز...علي بالأدلة فاسمعي يا جارة...

مع سياسة الاستعمار المختلفة... كانت الحشمة وكان الأنف الجزائري شامخا...مع سياسة الاستعمار المختلفة ...كانت الأسرة الجزائرية متلاحمة وكان المجتمع متماسكا...مع سياسة الاستعمار المختلفة، كان الجار يتقاسم مع جاره اللقمة... ولا أزيد...فأين نحن اليوم؟

الكلّ نفسي نفسي...اختلطت الذكريات ببعضها الى درجة أن وصل من المواطنين من يقول: نحن مستعمرون ولا نشعر بالاستقلال...إننا نشعر بالغربة في وطننا....لقد تشابه الأمر علينا ولم نعد نفرق بين العرس والجنازة...

لم يعودوا يفرقون بين مجزرة ارتكبها الاستعمار، وبين مجزرة ارتكبها أبناء الوطن الواحد في حق بعضهم بعضا...وتحولت أفراحنا الى مآسي وأعيادنا الى مآتم...

فهل نتحدث عن الرمكة،  وبن طلحة، وآلاف القتلى...؟  أم عن ما خلفه الاستعمار من دمار؟  هل نتحدث عن تحريف التاريخ من طرف الاستعمار؟ أم عن التاريخ الذي يُحرّف والناس ترى بالعين المجردة؟

هل نتحدث عن الجهوية  والمحاباة والشعوذة التي مارسها الاستعمار؟ أم عن التي يمارسها  اليوم أبناء الوطن الواحد؟ هل نتحدث عن الفساد الأخلاقي الذي تركه الاستعمار؟ أم عن الفساد الذي نشأ في عزّ "الاستقلال"؟ ولاأريد استفاضة حتى لا أزيد من إحباطكم...

في الأخير: على شرفاء الجزائر أن يتحرّكوا لا عادة العربة الى سكتها قبل أن تأتي فتنة أخرى تحرق الأخضر واليابس.

نورالدين خبابه
9 ماي 2016

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))